عبد الوهاب الشعراني
148
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
والآخرة . ومن منّ اللّه تعالى عليه بدوام الحضور في بعض العبادات ليلا ونهارا ، فجلوسه مع الحق تعالى كذلك دائم ، لكن يفوته تنوعات الواردات من الحق إذ التنوع أكثر نعيما من التنعم بالشيء الواحد عادة ، فربما سئمت منه نفسه فلا يصير بعده نعيما لعدم اللذة فيه . وسمعت سيدي عليا الخواص رضي اللّه تعالى عنه يقول : لكل مأمور شرعي من فرض أو مندوب مجالسة مع الحق تعالى ، ولكل منهي عنه من حرام أو مكروه حجاب عن اللّه تعالى ، ومن شهد كشفا أن المشرع هو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الأمر والنهي كان على وزان ذلك فيكون حجابه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وحضوره معه على حسب فعل أوامره واجتناب نواهيه ، وكذلك القول فيما سنه الأئمة ومقلدوهم فيما يوافق الشريعة تكون مجالسة العامل بذلك للأئمة ومقلديهم بقدر ما فعل من سائر مأموراتهم واجتنب من منهياتهم وحجابه عنهم ، بقدر ما وقع في مخالفاتهم ا ه وهو كلام نفيس . فاعلم ذلك ، واللّه يتولى هداك : وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [ الأعراف : 196 ] . وروى الطبراني وغيره مرفوعا : « صوموا الأشهر الحرم » . وروى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة مرفوعا واللفظ لمسلم : « أفضل الصّيام بعد شهر رمضان شهر اللّه المحرّم . وفي حديث للطبراني مرفوعا : « ومن صام يوما من المحرّم فله بكلّ يوم ثلاثون يوما » . قال الحافظ المنذري : وهو حديث غريب وإسناده لا بأس به ، فجملة الشهر إن كان كاملا بتسعمائة يوم . وروى الشيخان وغيرهما : « أفضل الصّيام صيام داود ، كان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفرّ إذا لاقى العدوّ » . وزاد في رواية : « وهو أعدل الصّيام » . وفي رواية لمسلم : « أحبّ الصّيام إلى اللّه تعالى صيام داود » الحديث . وروى النسائي عن أسامة بن زيد قال : قلت يا رسول اللّه لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان ؟ قال : « ذاك شهر يغفل النّاس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى ربّ لعالمين وأحبّ أن يرفع عملي وأنا صائم » . وفي حديث أحمد والطبراني ، وكان أحب الصيام إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في شعبان .